السيد محمد تقي المدرسي
256
المجتمع الإسلامي (منطلقاته وأهدافه)
الطبيعة المتجسدة في الثروة . وبعد ان ثار الثائرون وأسقطوا صنم الاقطاع ليعبد الله ، لم يلبثوا ان اختاروا لانفسم صنم اخر سموه الرأسمالية . وكان ذلك الصنم معبرا عن غلبة وتفوق الطبيعة في ذاتهم على قوة القيم . وثارت الثائرة مرة أخرى ، فدارت معارط وأزهقت الأنفس وأريقت الدماء حتى أسقطوا صنم الرأسمالية الخبيث ، وزعموا بأنهم قد ارتاحوا نهائيا من المشكلة الحادة في الحياة البشرية ، وهي مشكلة تسلط أصحاب الثروة والمال على رقاب البائسين والفقراء . وبعد ان انجلت الغبرة واستكنت النفوس وظهرت الحقيقة ، فإذا بصنم اخر يعبد من دون الله وهو صنم الدولة المستبدة والمستغلة للمال . وسواء كانت الثروة بيد الاقطاع متجسدة في امتلاك الأرض ومن عليها ، أو كانت بيد التجار ، أو بيد السلطة فإنها هي الثروة ، وهي الصنم ، وبالتالي فهي الحاكمة . فالصور تتبدل والاشكار تتغير والجوهر هو الجوهر . ان المشكلة هي خضوع الانسان للثروة . وغلبة الطبيعة على القيم في ذاته . فحينما تذوب القيم في بوتقة الثروة ، فلا جدوى من السؤال عمن يملك هذه الثروة ويتسلط على الناس بأسمها . الحل الاسلامي لهذه المشكلة : الف : على مستوى الفرد . الحل في الاسلام يبدأ من عمق ذات الانسان . فهو يجعل سلطة القيم هي الحاكمة على الطبيعة في ذات الانسان . فإذا كانت نظرتك إلى المال نظرة استعلاء وتسامي ، والى زينة الحياة الدنيا نظرة تملك وتسخير ، والى الطبيعة نظرة اصلاح واعمار ، فإنك تنتصر على مشكلة الثروة في ذاتك . لذلك نجد القران الحكيم يركز على هذا الموضوع في عدة آيات مثل قوله تعالى : " المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخيرا املا " ( 46 / الكهف )